كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro
شهدت الأسواق الأميركية موجة بيع حادة مع نهاية أكتوبر، أثارت تساؤلات جوهرية حول استدامة الارتفاعات التي قادتها شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فهل نحن أمام تصحيح تقني طبيعي بعد مكاسب استثنائية، أم بداية إعادة تسعير أوسع للأصول المالية في ظل ارتفاع تكلفة التمويل وتزايد المخاوف بشأن العوائد الفعلية للاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي؟
اختتمت مؤشرات الأسهم الأميركية تداولات الجمعة الأخيرة من أكتوبر على تراجعات حادة، حيث هبط مؤشر ناسداك بنسبة 2.86% إلى 25,437 نقطة، مسجلاً خسارة أسبوعية بلغت 2%، فيما بلغت خسائره خلال شهر أكتوبر نحو 5.30%، ليبتعد بحوالي 7.8% عن قمته المسجلة في السادس من أكتوبر. كما تراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 1.82% إلى 7,580 نقطة، منهياً الأسبوع على انخفاض بنسبة 0.57%، فيما بلغت خسائره الشهرية 0.93%. أما مؤشر داو جونز الصناعي، فقد انخفض بنسبة 1.09% إلى 51,770 نقطة، مسجلاً خسارة أسبوعية بلغت 0.85%، لكنه تمكن من إنهاء أكتوبر بمكاسب بلغت 1.70%.
ويعكس هذا التباين تركز الضغوط البيعية في أسهم التكنولوجيا، خصوصاً الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مقابل صمود نسبي للأسهم التقليدية. فاللافت أن ناسداك خسر 5.30% خلال أكتوبر، بينما ارتفع داو جونز بنسبة 1.70%، ما يمثل فجوة أداء بلغت سبع نقاط مئوية بين المؤشرين. وهذا التباعد يشير إلى أن الأسواق لا تشهد بالضرورة موجة بيع متساوية في جميع القطاعات، بل عملية إعادة توزيع للاستثمارات وإعادة تقييم للمخاطر، خصوصاً في الشركات ذات التقييمات المرتفعة.
نتائج التكنولوجيا.. المشكلة ليست في الأرباح وحدها
جاءت نتائج الشركات التكنولوجية الكبرى لتكشف عن تحول واضح في معايير تقييم المستثمرين. فلم يعد نمو الإيرادات والأرباح كافياً لدعم أسعار الأسهم، بل أصبحت الأسواق تركز على التدفقات النقدية الحرة، والإنفاق الرأسمالي، والقدرة على تحقيق عوائد مستدامة من استثمارات الذكاء الاصطناعي.
وكانت إنتل من أبرز الخاسرين، بعدما هوى سهمها بنحو 28.6% نتيجة توقعات مستقبلية ضعيفة، وسط تباطؤ الطلب على الحواسيب الشخصية وارتفاع تكاليف المكونات.
أما أمازون، فرغم استمرار النمو القوي في خدمات الحوسبة السحابية AWS، فقد أثار الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ضغوطاً على التدفقات النقدية، بالتزامن مع توقعات للإيرادات جاءت دون تقديرات الأسواق.
وتعرضت ألفابت لضغوط حادة نتيجة مخاوف مرتبطة بأداء الإعلانات وتسارع استنزاف السيولة، بينما أثارت خطط ميتا لزيادة التمويل والإنفاق الرأسمالي تساؤلات بشأن العائد على الاستثمار واحتمالات تخفيف حصص المساهمين. وفي المقابل، أظهرت مايكروسوفت قدرة أفضل نسبياً على تحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى نمو تشغيلي، رغم استمرار الحاجة إلى تمويل التوسع.
والمفارقة أن نحو 82% من شركات S&P 500 التي أعلنت نتائجها تجاوزت توقعات الأرباح، مع نمو متوقع للأرباح الفصلية بنسبة 31.6%. وهذا يعني أن موجة البيع لا تعكس بالضرورة انهياراً في الربحية، بل تراجع استعداد المستثمرين لدفع مضاعفات تقييم مرتفعة مقابل أرباح مستقبلية غير مضمونة.
عوائد السندات والأسهم.. العلاقة أكثر تعقيداً
تلعب عوائد سندات الخزانة الأميركية دوراً محورياً في تقييم الأسهم، خصوصاً شركات التكنولوجيا التي يعتمد جزء كبير من قيمتها السوقية على التدفقات النقدية المستقبلية.
فارتفاع العوائد يزيد معدل الخصم المستخدم في تقييم هذه التدفقات، ما يخفض قيمتها الحالية ويضغط على مضاعفات الربحية. كما يؤدي ارتفاع العائد الخالي نسبياً من المخاطر إلى تقليص جاذبية الأسهم، ما لم تقدم علاوة مخاطر كافية لتعويض المستثمرين.
لكن اللافت خلال جلسة الجمعة كان تراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بنحو 5.8 نقاط أساس إلى 4.93%، بالتزامن مع الانخفاض الحاد للأسهم.
وهنا تكمن نقطة تحليلية أساسية: انخفاض العوائد لا يشكل دائماً عاملاً إيجابياً للأسهم. فإذا جاء نتيجة توقعات بتيسير السياسة النقدية دون تدهور النمو، فقد يدعم التقييمات. أما إذا كان ناتجاً عن انتقال المستثمرين نحو السندات هرباً من المخاطر، فقد يتزامن مع استمرار الضغوط على الأسهم.
ويزداد المشهد تعقيداً عندما تتراجع العوائد الاسمية بينما تبقى العوائد الحقيقية مرتفعة، أو عندما ترتفع علاوة المخاطر المطلوبة للاستثمار في الأسهم بوتيرة تفوق أثر انخفاض عوائد السندات.
الذهب والأسهم.. لماذا تراجعا معاً؟
لم يكن الذهب بمنأى عن موجة البيع، إذ تراجع بنحو 3.5% خلال جلسة الجمعة، مقترباً من مستوى 3,870 دولاراً للأونصة، رغم انخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية.
وتكشف هذه الحركة عن تغير مؤقت في الارتباطات التقليدية بين فئات الأصول. فالذهب يستفيد عادةً من انخفاض العوائد الحقيقية، باعتباره أصلاً لا يدر فائدة، لكن هذه العلاقة قد تتراجع أهميتها خلال موجات تصفية المراكز الاستثمارية.
فعندما ترتفع الحاجة إلى السيولة، قد يبيع المستثمرون الأسهم والذهب معاً لتغطية الخسائر أو تخفيض الرافعة المالية. وبالتالي، لا ينبغي تفسير تراجع الذهب على أنه تراجع تلقائي في الطلب على الملاذات الآمنة.
النفط والتضخم.. معادلة تزيد تعقيد المشهد
تزامن تراجع الأسهم مع ارتفاع أسعار النفط، حيث تجاوز خام برنت 117 دولاراً للبرميل، ما يعيد المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية.
فالارتفاع المستدام للطاقة قد يضغط على هوامش أرباح الشركات والقوة الشرائية للمستهلكين، ويحد من قدرة الاحتياطي الفدرالي على تخفيف سياسته النقدية.
وهنا تواجه الأسواق احتمالاً أكثر تعقيداً: تباطؤ شهية الاستثمار في الأسهم بالتزامن مع استمرار الضغوط التضخمية، وهي بيئة قد تجعل تراجع عوائد السندات أقل قدرة على دعم الأسواق.
إنفيديا في نوفمبر.. اختبار لمصداقية طفرة الذكاء الاصطناعي
تتجه الأنظار نحو نتائج إنفيديا المرتقبة في منتصف نوفمبر، والتي قد تشكل نقطة مفصلية لقطاع التكنولوجيا بأكمله.
ولن تقتصر أهمية النتائج على نمو الإيرادات والأرباح، بل ستشمل الطلب على معالجات مراكز البيانات، وهوامش الربحية، وتوقعات الطلب المستقبلي، ومدى استمرار شركات التكنولوجيا الكبرى في تمويل توسعها بالوتيرة الحالية.
فالإنفاق الرأسمالي الضخم لدى شركات الحوسبة السحابية يمثل في الوقت نفسه فرصة نمو لإنفيديا ومصدر قلق للمستثمرين بشأن استدامة دورة الاستثمار.
وقد تمنح النتائج القوية الأسواق فرصة للتعافي، لكن أي مؤشرات إلى تباطؤ الطلب أو ضعف التوقعات المستقبلية قد تعمق التصحيح، خصوصاً بعد تراجع سهم إنفيديا بنسبة 4.2% وهبوط مؤشر أشباه الموصلات بنسبة 7.2% خلال جلسة الجمعة.
هل بدأ التصحيح يتحول إلى أزمة ثقة؟
في تقديري، لا تشير التطورات الحالية بالضرورة إلى نهاية طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف عن انتقال الأسواق من مرحلة التسعير القائم على توقعات النمو الاستثنائي إلى مرحلة أكثر صرامة في تقييم الأرباح والتدفقات النقدية والعائد على رأس المال.
والخطر الأكبر لا يكمن في التراجعات التي شهدناها حتى الآن، بل في احتمال انتقال الضغوط من أسهم التكنولوجيا إلى أسواق الائتمان وبقية القطاعات الاقتصادية، خصوصاً إذا استمر ارتفاع تكلفة التمويل وتزايد الاعتماد على الاقتراض لتمويل الاستثمارات.
وستكون حركة عوائد السندات والذهب، إلى جانب نتائج إنفيديا واتساع نطاق التراجعات في الأسهم، مؤشرات حاسمة لتحديد ما إذا كانت الأسواق تستعد لتعافٍ مستدام أم لموجة جديدة من إعادة تسعير المخاطر.
الاختبار الحقيقي الذي تواجهه وول ستريت لم يعد يتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير الاقتصاد العالمي، بل بقدرة الشركات على تحويل هذه الثورة إلى أرباح وتدفقات نقدية تبرر التقييمات الحالية.
وإذا عجزت الأرباح المستقبلية عن مواكبة التوقعات، فقد لا يكون ما شهدناه في أكتوبر نهاية التصحيح، بل بداية مرحلة أكثر قسوة، لن تكافئ فيها الأسواق الوعود الاستثمارية، بل النتائج الفعلية.
مقال رأي| قرار الاحتياطي الفدرالي.. هل يثبت الفائدة أم يفاجئ الأسواق؟
مقال رأي| ارتفاع عوائد السندات الأميركية.. الفدرالي والتضخم والدين العام يعيدون رسم المشهد
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي